الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
289
نفحات القرآن
ومهما يكن من شيء فإنّ هذه الآية تدل بوضوح على وجود الاعتقاد بالمعاد لدى اليهود والنصارى . وفيالآية السابعة نلاحظ تعرّض « المسيح » عليه السلام لذكر المعاد عندما تكلم في المهد بإذن اللَّه تعالى ، فقال في بعض كلامه : « وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ ابْعَثُ حَيّاً » . والسبب في اختيار هذه الأيّام الثلاثة ( يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث ) هو خطورتها ودورها المهم في تقرير المصير ، وبتعبير آخر أنّ كل يوم من هذه الأيّام الثلاثة يشكل بداية لفصل جديد في مسار الإنسان وتعتبر السلامة امرٌ مهم فيها ولا تتيسر إلّابلطف من اللَّه ، فطلب المسيح عليه السلام أن يمن اللَّه بلطفه عليه في هذه الأيّام الثلاثة . بالإضافة إلى ذلك فقد وجّه نداءه بنفي ألوهيته ومذ كان في المهد وصرّح بأنّه كسائِر عباد اللَّه بعثه اللَّه للناس جميعاً . وجاء في الآية 15 من نفس هذه السورة ذِكر هذا الموضوع عند الحديث عن النبي يحيى عليه السلام ، لكن الفرق بينهما هو كون الخطاب هنا صدر عن المسيح عليه السلام والخطاب هناك عن اللَّه تعالى . جاء في الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : « إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن : يوم ولد من بطن أمه فيرى الدنيا ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ويوم يبعث حياً فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا » . ثم تعرّض الإمام لذكر الآيات المتعلقة بالنبي يحيى والمسيح عليهما السلام الواردة في هذا المجال « 1 » . وعلى أيّة حال فقد أشارت الآية المذكورة بوضوح إلى أنّ مسألة المعاد كانت من الأمور البديهية لدى الأقوام السالفة ممّا جعل المسيح يتحدّث عنها وهو في المهد . إلى هنا تحدثنا بصورة موجزة عن موضوع المعاد في شريعة أربعة أنبياء من « اولي العزم » ، وإذا ما أضفنا الآيات الكثيرة الواردة في موضوع المعاد في شريعة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله فسوف يختتم الحديث عن المعاد في خمس شرائع .
--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 3 ، ص 335 ، ح 75 .